أقلام وأراء

كم مرة علينا أن ندفع ثمن الانقسام؟

بقلم: باسم برهوم

أحد أكثر المشاكل، بل المصائب خطورة، التي واجهها شعبنا الفلسطيني في تاريخ صراعه مع المشروع الصهيوني، هو الانقسام والتشرذم، هذا المرض الذي صاحب الحركة الوطنية الفلسطينية منذ تأسيسها في مطلع عشرينيات القرن العشرين، وفي كل المحطات الحاسمة لعبت الانقسامات تأثيرا سلبيا وحرمت الشعب الفلسطيني من أن يقطف ثمار تضحياته، أو أن يراكم بشكل فعال مكاسبه وانجازاته. معظم وقت الانتداب، عندما كانت بريطانيا والصهيونية العالمية تقوم بتدعم اركان الكيان الصهيوني، كانت الحركة منقسمة ومشغولة أكثر في تنافساتها العائلية وغيرها، وفي نهاية المرحالة المذكورة حصلت النكبة. والملفت انه حتى خلال مجريات الأحداث والفصول المأساوية لهذه النكبة كانت الانقسامات تمزق قيادة الحركة الوطنية.

وبالرغم ان التاريخ لا يكرر نفسه، فإن الشعب الفلسطيني يعيش تجربة مشابهة لما كان يحصل إبان النكبة، فالانقسام يتحكم بالمشاهد الفلسطيني، ولم تستطع الحركة الوطنية التغلب

على انقساماتها في لحظة تاريخية مصيرية، وفي وقت تقوم فيه إسرائيل بتدمير قطاع غزة تماما وإخراجه من المعادلة الوطنية، وتغير الواقع في الضفة بما يهدد استراتيجيا صمود الشعب الفلسطيني على أرضه ويوفر هيمنة شبه كاملة لمشروع الاستيطان الصهيوني. كل هذا يجري أمام أعين الجميع وبالرغم من ذاك يستحكم الانقسام بنا، ولا أفق بان نستطيع التغلب عليه من أجل العمل على التقليل من هول المأساة، بالضبط كما حصل في نكبة العام 1948.

السؤال: لماذا يحصل مع الشعب الفلسطيني ذلك، ولماذا تتكرر الأخطاء ذاتها مع اختلاف أسباب الانقسام في كل مرحلة؟

عندما كانت الثورة الفلسطينية في المنفى، كان التفسير الأهم الى جانب الاختلافات الفكرية والايديولوجية، هو حجم تدخل الأنظمة العربية والقوى الاقليمية في الشؤون الداخلية للمنظمة وللشعب الفلسطيني، وحتى داخل كل فصيل، وكانت الحاجة، للتمويل وبالتالي فإن الطرف الممول كان سببا رئيسيا في الانقسامات الفلسطينية، داخل المنظمة، وحتى داخل الفصائل ذاتها. ويمكن الاشارة الى انقسام جماعة أبو نضال عن حركة فتح في مطلع السبعينيات من القرن العشرين بدعم من النظام العراقي، وتحولت هذه الجماعة الى عصابة اغتيالات تمولها وتستخدمها دوائر مخابرات متعددة في سوريا والعراق وليبيا وحتى أعمالها الاجرامية كانت في معظم الأحيان تتقاطع مع متطلبات الموساد الإسرائيلي، خصوصا عندما كانت هذه الجماعة تقوم باغتيال كوادر وقيادات المنظمة وأبرزها اغتيال القادة أبو إياد وأبو الهول في مطلع العام 1991.

أما الانشقاق الآخر، وكان أكثر خطورة، هو انشقاق جناح أبو خالد العملة وأبو موسى من فتح في العام 1983، بعد معركة بيروت البطولية. وكان بدعم من النظامين السوري والليبي، وهو الانقسام الذي انسحب على منظمة التحرير الفلسطينية، عندما تحولت الى ثلاثة تكتلات وقاد كل ذلك الى معارك البقاع ومخيمات طرابلس في شمال لبنان. انشقاقات مرحلة الثورة في المنفى استنزفت الحالة الفلسطنية وحرمت الشعب الفلسطيني من الكثير من الفرص لتعزيز مكاسبه وانجازاته والبناء عليها.

ويأتي الانقسام الراهن وهو الأخطر من بين كافة الانقسامات، لأنه لا يهدد ليس فرصة ان يمتلك الشعب الفلسطيني دولته المستقلة، وإنما يهدد مستقبل القضية الفلسطينية برمتها. وبالمناسبة الانقسام الحالي لم يبدأ عام 2007 كما هو متعارف عليه، وإنما بدأ عمليا منذ تأسيس حركة حماس عام 1988، عندما رفضت هذه الحركة الاخوانية الانضمام لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما رفضت الانضمام للقيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة الاولى، وبقيت تعمل بشكل منفرد مما أعطى في حينه اشارة سلبية لإسرائيل ان بإمكانها اللعب على حبال الانقسام، وهو ما كان أكثر وضوحا بعد سيطرة حماس على قطاع غزة بالقوة.

ما يثير الكثير من الأسئلة هو انه وفي ذروة العدوان الإسرائيلي، وحرب الابادة الجماعية الحالية في قطاع غزة،  فإن حماس تواصل سياسة الانقسام ورفض أي صيغة تعيد قطاع غزة الى وحدته مع الضفة، وهي وكما يبدو على استعداد ان تتوصل الى صفقة مع حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة على ان تبادر الى انهاء الانقسام وتوحيد الجهد الوطني لحماية وجود الشعب الفلسطيني على أرضه وتعزيز صموده. والأخطر من ذلك ان حماس تواصل سياسة التشكيك بتمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني وهو بالضبط ما تسعى إليه حكومة الفاشيين في إسرائيل. ان هناك حاجة ان يقوم الجميع في الساحة الفلسطينية بمراجعة حقيقية وجادة لكل المرحلة السابقة، ومن الانقسام على وجه التحديد، وفي طليعة هؤلاء حماس التي قامت بالانقلاب في عام2007، فالسؤال الوطني الكبير في هذه اللحظة التاريخية هو: كم مرة على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمن الانقسامات، وهل هو قدر أن نواصل القبول بالانقسام وأن نبقى منقسمين على أنفسنا بهذا الشكل المريع؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى